أبو علي سينا

125

التعليقات

الباري يعقل نظام الخير في الكل فيتبع ما يعقله من ذلك نظام الخير ، ولأن ذاته خير تتبع ما تعقله من ذاته خيرية ذاته ، وخيرية ذاته هذا المعنى ، وذاته لا تشرف بذلك بل ذلك يشرف بذاته ، وذاته عقل محض وخير محض . فسبب نظام الخير في الموجودات خيرية ذاته ، وليس يتبعه اتباع الضوء للمضيء لأن الضوء ليس هو معقول المضيء . المعقول العقلي هو البسيط ، والنفساني هو الذي فيه الانتقال من شيء إلى شيء ، أي من المقدمات إلى النتيجة . الإضافة العقلية إليها ليست إضافة كيف وجدت ، أي إضافة الباري إلى هذه المعقولات إضافة مخصصة معقولة ، لا إضافة المادة إلى الصورة أي القابل أو وجود الصورة في المادة بل الإضافة إليها وهي معقولة لا من حيث هي موجودة لأنه يعقلها من ذاته لا من خارج . ويعقل من ذاته أنه مبدأ لها . فإن كان يعقلها من حيث هي موجودة يكون إما أن لا يعقل ذاته ويكون يدرك الشيء عند وجوده أو لا يكون مبدأ له . وهذا محال فإنه يعقل ذاته وإدراكه لها من حيث من شأنها أن يفيض عنها كل وجود . وهذا الإدراك للذات يوجب إدراك الأمر اللازم لذاته ، وهو صدور المعقولات عنه . إضافة الباري إلى هذه المعقولات إضافة فاعل لها قابل ، لأن وجودها من علمه بها فهو ( 43 ب ) يعقلها من ذاته ثم يتبع وجودها عقليته لها ، وهي إضافة الفاعل للشيء ولو كان يتبع عقليته لها وجودها كانت الإضافة إضافة قابل لأنها تحصل فيه من خارج . إضافته إليها إضافة المبدأ لها ، وهي أنها فائضة عنه لا أنها فيه ، فيكون إضافة قابل كإضافة المادة إلى الصورة . لا يستنكر أن تكون أشياء محصورة موضوعة لاعتبارات مختلفة ويعتبر فيها نسب غير متناهية ، وهذه الصور كلها لا شك أنها محصورة للأول موجودة له فإنه يعقلها من ذاته والنسب التي بينها وإن كانت في نفسها غير متناهية فإنه يعلمها متناهية . فإن الصور موجودة له وتكون النّسب التي بينها لا محالة موجودة . فهو يعلم جميع الأشياء وجميع نسبها وأحوالها : فالأشياء الغير المتناهية يعلمها متناهية . عندهم أن الغير المتناهى لا يحيط به علم وأن الأوّل يخفى عليه بعض حركات أهل الجنة . وحلّ ذلك أنه يعلم الأشياء الغير متناهية ، وذلك أن الجواهر والأعراض هي متناهية لكن النسب التي بينها غير متناهية أي بين الجواهر والجواهر ؛ وبين الجواهر والأعراض ، وبين الأعراض والأعراض . وهذه المناسبات يمكن أن نعتبرها نحن غير متناهية . فأما عنده فهي متناهية إذ قد يصح أن توجد الجواهر والأعراض المتناهية في الأعيان .